ما ينتظره مِنَّا العالَم والإقليم.. بقلم الصادق الرزيقي


جسّد الحضور الإقليمي والدولي والعربي الكبير للاحتفال بتوقيع وثائق الفترة الانتقالية، أهمية السودان ودوره ومكانته في الفضاء الأفريقي والمحيط العربي وقدرته على التواصُل مع الأسرة الدولية، ولو لم تكن هناك آمال مُعلقة على نتائج الاستقرار والسلام في السودان لما تقاطَر الرؤساءُ والقادةُ وممثلو الدول عليه ليشهدوا هذا اليوم وبداية الحقبة السياسية الجديدة.
وواضح من كلمات الرؤساء والخُطباء من الضيوف يوم أمس، أن الكل ينتظِر ما ستُسفِر عنه التجربة المُقبلة في بلادنا والشراكة التي بدأت بين العسكريين والمدنيين لقيادة المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها وتحدّياتها، وكل هؤلاء القادة الذين حضروا يعرفون معرفة تامة ما الذي سيحدُث لو تنكّب السودانيون الطريق وحادوا عن المسار الصحيح والسليم وأخفقوا في إدارة بلادهم خلال هذه الفترة.
فالصعوبات الماثِلة والتحدّيات الكبيرة التي تنتظر شريكي الحكم، هي بلا أدنى شك مصدر خوفٍ وتوجُّسٍ في كل الإقليم من حولنا في قارتنا السمراء وفي العالم العربي، وينظُر إليها العالم مُشفِقاً يترقّب هل سينجَح الجميع في تجاوُز العقبات والحواجز الصعبة، أم تسقط التجربة في أخطاء الماضي نفسها التي أدت إلى تخلّف البلاد منذ الاستقلال بسبب عدم الاستقرار السياسي، وتغليب الحزبي الضيّق على سماء الوطن الواسعة. فكل الآمال أمس كانت تدور في منطقة الانتظار والترقّب لِما ستُسفِر عنه أيامنا القادمة، وكيف نؤسِّس لفترة انتقالية تزيل الاحتقانات السياسية والاجتماعية، ويحدث فيها الانفراج الاقتصادي ويؤوب السودانيون إلى منابع موروثاتهم وتقاليدهم وتطلّعاتهم ليبدأوا مسيرة جديدة تُقرّبهم إلى سنام الطموح.
استقرار السودان وسلامه، هو الأبرز في كل الشواغِل من حولنا، فجارتُنا إثيوبيا التي وجَد رئيسُ وزرائِها ترحيباً وتفاعُلاً كبيراً معه أمس، تخشى أن ينفرط عقد الأمن في السودان، فذلك يُشكّل خطراً كبيراً عليها نسبة لظروف داخلية وحسابات إستراتيجية تهمّها، فالسودان إلى إثيوبيا ليس مجرد جارٍ، بل جار يأوي ملايين الإثيوبيين وملاذ طبيعي لهم كُلّما مرّت ببلادهم محنة، فما الذي سيحدُث لو وقع هذا الجار في هوة سحيقة من الخلافات السياسية والفوضى وضاع أمنه واستقراره؟ وكذا تنظر تشاد التي يرتبط أمنها القومي بما يدور في السودان، إذا أُصيبَتْ الخرطوم بالزكام عطستْ انجمينا، فبكلِّ الوجوهِ لا مناصَ لتشاد غير أن ترى السودان آمناً مطمئناً وهادئاً، ونفس الشيء لأفريقيا الوسطى التي يلعب السودان الآن دوراً في تهدئة أوضاعها.
أما جنوب السودان، فالارتباط العضوي به يجعل من أمنه واستقراره ومعيشة أهله واحتياجاتهم الأساسية مُندغِمة في ما يجري ويوجَد بالسودان، فليس هناك بلد أقرب إلى مواطني جنوب السودان من بلادنا، ولا حياة لشعبهم تماثل حياتنا.
أما الجارة مصر، فالجميع يعرف أن رئتها التي تتنفّس بها وحياتها هو النيل الذي يربطنا بها، فأي اضطراب في السودان سيكون طامة كُبرى على مصر ووجودها وأمنها القومي، فهي حريصة كل الحرص أن تكون حاضِرة وقريبة من نبض ما يجري عندنا.
أما بقية الدول العربية التي حرِصّت على المجيء ودول العالم الأخرى التي أرسلت وزراء خارجيتها وممثلين عنها، فكلهم يعلمون أن السودان يُمثّل ركيزة مُهمة للأمن والسلم الدوليين في هذه المنطقة، وهو دولة مِفتاحية في كثيرٍ مما يدورُ في المنطقة وتتوافر فيه فرص ثمينة للنهضة والنمو والتقدّم، ويُمكن في حال تعزيز التعاوُن المشترك أن يكون للسودان دور وتأثير كبير في اتجاهات السياسة الدولية ونهضة المنطقة وتطوّرها.
إذا كانت تلك هي التوقّعات والآمال المُعلّقة على التجربة السودانية القادمة، فيتوجّب على شريكي الحكم وما توفّر لهما الآن من دعم سياسي من الداخل والخارج، أن يكونا على قدر التحديات التي أمامهما، فكثير من الأسئلة مطروحة الآن على الطاولة حول ما ينبغي فعله، في كيفية تنقية الأجواء السياسية وإصلاح بيئتها من خطابات الكراهية والحنق غير المبرر، وحول الطريقة التي تُجمَع بها كلمة السودانيين وتقريب وجهات نظرهم وتصويبها نحو هدف واحد هو بناء تجربة ديمقراطية حقيقية لا شية فيها، وجعل السلام أولوية عاجِلة لوقف كل أنواع النزاعات المُسلحة ولجم فوّهات البنادق، وإصلاح الاقتصاد المعلول وتحقيق التنمية وتوفير الخدمات والتعامُل بواقعية مع ما يريده الناس في تطلّعاتهم العالية الشاخصة الآن.. وكل ما نخشاه أن تكون النفوسُ كباراً ستتعب في مرادها الأجسام..!!!

ليست هناك تعليقات