مزمل أبو القاسم يكتب: احترموا القانون



في ما مضى كان تعيين رئيس القضاء يتم بأمر مجلس السيادة، مسنوداً بتوصية من مجلس القضاء العالي، وعندما أتت الإنقاذ أقدمت على خرق قانون السلطة القضائية، بتعيينها مولانا جلال علي لطفي رئيساً للقضاء.
مع ذلك استمر القانون المذكور سارياً، ونصَّ على تعيين نواب رئيس القضاء من بين قضاة المحكمة العليا، لكنه خلا من أي نص يوضح كيفية اختيار رئيس القضاء، ويبدو أن ذلك الإغفال كان متعمداً، لأن الإنقاذ أقدمت على تعيين ثلاثة رؤساء للقضاء من خارج أسوار السلطة القضائية، وهم مولانا جلال علي لطفي، ومولانا عبيد حاج علي، ومولانا حافظ الشيخ الزاكي.
بعدهم استقرت الممارسة بأن يتم تعيين رئيس القضاء من داخل السلطة القضائية، حيث تولى المنصب المذكور مولانا جلال الدين محمد عثمان، ومولانا محمد حمد أبو سن، ومولانا البروف حيدر أحمد دفع الله، ومولانا عبد المجيد إدريس، ثم مولانا عباس علي بابكر، رئيس القضاء الحالي.
لإلقاء الضوء أكثر على هذه القضية الشائكة نذكر أن مجلس القضاء العالي يتكون من رئيس القضاء ونوابه، ووزير المالية، ووزير العدل، ونقيب المحامين، وعميد كلية القانون جامعة الخرطوم، وبما أن معظم المذكورين كانوا من المنتمين للمؤتمر الوطني فقد أصبح المجلس خاضعاً لمشيئة رئيس الجمهورية فعلياً.
لاحقاً نصت اتفاقية نيفاشا 2005 على إنشاء المفوضيات، فحلت مفوضية الخدمة القضائية محل مجلس القضاء العالي، وظلت تدير شئون القضاء، وتتولى ترشيح رئيس القضاء للرئاسة، لكنها (أي المفوضية) درجت على تلبية رغبات الرئيس المخلوع في اختيار من يريده، حتى أقدم المجلس العسكري الانتقالي على تجاوز المفوضية مؤخراً، وأقال مولانا عبد المجيد إدريس وعيَّن مولانا عباس علي بابكر بديلاً له.
مرَّ التعيين بلا ضجة داخل القضائية، تجاوباً مع الحالة الثورية التي انتظمت البلاد وقتها، وبالأمس تناقلت وسائل الإعلام خبر تعيين مولانا نعمات عبد الله رئيساً للقضاء، بمخالفة كبيرة للوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري والحرية والتغيير، والتي نصت على إسناد تعيين رئيس القضاء ونوابه وقضاة المحكمة الدستورية إلى مجلس القضاء العالي.
لم يتم تكوين المجلس حتى اللحظة، لذلك لم نستغرب إشراف رئيس القضاء الحالي على إجراءات أداء القسم لرئيس وأعضاء المجلس السيادي أمس، لأن اكتمال تعيين مولانا نعمات بالطريقة التي أعلنت مستحيل من الناحية العملية.
مطلوب من قوى الحرية والتغيير والمجلس السيادي أن يحترما نصوص الوثيقة الدستورية، التي أوكلت أمر تعيين رئيس القضاء إلى مجلس القضاء العالي.
إذا أرادوا استبدال رئيس القضاء العالي بآخر فعليهم أن يسارعوا إلى إصدار قانون جديد للقضاء، كي يستجلي الكيفية التي يتم بها تعيين رئيس القضاء، ويوضح هل يتم اختياره من بين قضاة المحكمة العليا مثلما كان متبعاً قبل الإنقاذ، أم يتم ترشيحه من خارج أسوار السلطة القضائية.
لحساسية الملف، ولأهمية السلطة القضائية، ولضمان استقرار القضاء، ولإبعاده عن أجواء الصراعات السياسية ننصح مجلس السيادة بأن يبقي على الوضع الحالي إلى حين صدور القانون الجديد، لأن تجاوز نصوص الوثيقة الدستورية سيؤدي إلى نسف استقرار القضاء، وسيحول السلطة القضائية إلى ساحة احتراب سياسي، سيدفع السودان ثمنه غالياً.
لن يكون هناك أي فرق بين نظام الإنقاذ وعهد الثورة إذا تم انتهاك الوثيقة الدستورية لإقالة رئيس القضاء وتعيين المرشحة التي ترغب فيها قوى الحرية والتغيير.
إرساء دعائم دولة القانون لا يمكن أن يتم بانتهاك القانون.

ليست هناك تعليقات