الجنسية المزدوجة.. ورطة كادت أن تعصف بالاتفاق الموقع بين التغيير والعسكري..


لم يكن فجرا عاديا ذلك الذي عاشه السودانيون، وهم يخرجون زرافات ووحدانا عفويا للتعبير عن فرحة الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بأولى خطوات الانتقال وتسليم السلطة إلى المدنيين.
على الرغم من الفرح بل وتحديد السقف الزمني لتسمية رئيس الوزراء، إلا أن الاتفاق حمل ملاحظات مُهمَّة تمَّت إحالتها إلى اللجنة الفنية المُشتركة وتختص بحاملي الجنسية المزدوجة. ونصت الوثيقة الدستورية بحسب قيادات الحرية والتغيير في مؤتمر صحفي أمس، على ألا يشغل حامل الجنسية المزدوجة منصبا بالوزارات السيادية المحددة في (الخارجية، الدفاع، الداخلية، المالية فضلاً عن منصب رئيس الوزراء)، مع السماح لهم بتقلد أو المشاركة في البرلمان والمفوضيات.
تفاصيل الجدل.. ماذا حدث؟
استثناء حامل الجنسية المزدوجة من تولِّي منصب سيادي أخذ جدلا واسعا داخل غرف التفاوض. وبنهاية المطاف اتفق المفاوضون على عدم مشاركته، ليس تخويناً ولكن ليطمئن قلب السودانيين بأنه لا توجد أي ثغرات في الاتفاق، بل وستستلم الأجيال القادمة اتفاقا وصفه الكثيرون بأنه بلا (شق أو طق).
كثيرون أكدوا الدور الكبير الذي أداه السودانيون بالخارج في نجاح ثورة ديسمبر المجيدة ممن يحملون جنسيات دول أخرى، مع احتفاظهم بجنسياتهم الأم، فكان خروجهم في مواكب أمام مؤسسات عالمية ودولية خير سفير ورسول لتوصيل صوت السودانيين في العالم، فضلا عن علاقات بعضهم مع مؤسسات حقوق الإنسان، الأمر الذي مثل ضغطاً على تلك المؤسسات بأن تتخذ موقفاً تجاه ما يحدث بالسودان، مشيرين إلى أنهم سخروا علاقاتهم وأموالهم لنجاح الثورة دون منٍّ أو أذى، رغم أنهم يحملون جنسيات مزدوجة، معتبرين أن حرمانهم من تقلد منصب سيادي في الحكومة المدنية ظلم واضح لهم وإنكار لدورهم الإيجابي تجاه الثورة.
فيما وجه آخرون صوت لوم للجنة القانونية لاستبعادها تلك الشريحة، معتبرين أن في الأمر قصر نظر، ويدل على أنهم لم يستعينوا بخبرات فنية خارج اللجنة، ليحرمهم هذا القرار من تقديم خبراتهم ومهاراتهم في شتى المجالات خدمة إلى بلدهم الأصل، لافتين إلى أن رئيس الوزراء البريطاني من أصول تركية كما أن المجلس الوزاري بكندا يضم مهاجرين.
تصاعد الجدل أفرز شريحة جديدة ترى أن هذا الاستثناء عادي ولا غرابة فيه، بل يصب في مصلحة حامل الجنسية المزدوجة، لأن جود جنسية مزدوجة في ظل علاقات دولية قد يؤدي إلى أزمة بين الدولتين، وربما يتحول الأمر إلى حرب؛ معتبرين أن القرار يحفظ ماء وجه صاحب الجنسية المزدوجة من الإحراج أو الضغط الذي يتعرَّض له إذا كان في موضع خيار بين السودان أو البلد الثاني الذي يحمل جنسيته، مشيرين إلى أن صاحب الجنسية المزدوجة عندما يتم تعيينه كتنفيذيٍّ سيدخل في حرج حال اتخاذ قرار مقاطعة الدولة التي يحمل جنسيتها وربما لا يستطيع اتخاذ قرارات.
ماذا قالت الحرية والتغيير؟
عضو لجنة الصياغة لقوى التغيير ساطع الحاج، أكد في حديثه لـ(السوداني) أن هذا الشرط أخذ زمناً طويلاً في النقاش لأن الوضع الطبيعي ألا يتقلد صاحب الجنسية المزدوجة أي منصب سيادي، وأضاف: بالنسبة للسودان فالوضع مختلف تماما لأن عشرات السودانيين أصحاب كفاءات أجبرهم النظام البائد على مغادرة البلاد، وبالتالي فإن خروجهم من السودان ليس اختياريا.
ساطع أكد أنه في حالة اختيار شخص يمتلك جنسية مزدوجة لأي منصب سيادي يكون الأمر بالتوافق بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء.
(هل ثمة استثناءات في تعيين شخص يمتلك جنسية مزدوجة بمنصب سيادي في الحكومة المدنية؟)، كان السؤال العفوي في ذهن كل مهموم برصيد الخبرات البشرية السودانية، ويذهب ساطع إلى أن المسألة صعبة، واستدرك: لكن أردنا أن يكون الحق ثابتا في الدستور، قاطعا بأن أعضاء المجلس السيادي هم من حملة الجنسية السودانية فقط.
تركة الإنقاذ.. الموقف الآن
خبراء قانونيون أشاروا إلى أنه قبل الإنقاذ كان غير وارد امتلاك جنسيتين، أما بعد الإنقاذ فقد اختلف الأمر بحجة ما وصفوه بالعبث من قيادات بالجبهة الإسلامية كانوا خارج السودان واكتسبوا جنسيات أخرى وطمعوا في تولي مناصب سيادية، مشيرين إلى أنه في بداية الإنقاذ غلب الدين على الجنسية، وكان أي إسلامي يُعترف له بالجنسية وبسهولة، لذلك جاء عدد كبير من الأجانب ليسوا فقط مسلمين، ولكن من حملة الفكر الإسلامي وأشهرهم أسامة بن لادن وآخرون شاركوا في محاولة اغتيال حسني مبارك بإثيوبيا.
ويستذكر القانونيون أن قانون الجنسية السودانية لـ 1994م أكد أنه من حق السودانيين أن يحملوا جنسية أخرى، والآن أصبحوا أكثر فخرا بسودانيتهم وتغيرت النظرة نحو الجنسية المزدوجة، لذا ترى تحليلات ضرورة الأخذ في الاعتبار أن ملايين السودانيين يعيشون خارج السودان ومايزال القانون يحفظ لهم حق امتلاك جنسيتهم السودانية، لكن لا يمكن أن يتولوا منصبا سياديا باعتبار أن ذلك ربما يؤدي إلى تعارض المصالح.
الخبير القانوني نبيل أديب يذهب في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أن المناصب التي تم استبعاد حامل الجنسية المزدوجة من توليها تتعلق بالعلاقات الدولية وهذه المناصب مكلفة بإدارة أجهزة الدولة بما في ذلك العلاقات مع الدول الخارجية، وأضاف: وجود جنسية مزدوجة في ظل علاقات دولية قد تؤدي إلى أزمة بين الدولتين وربما يتحول الأمر إلى حرب، مؤكدا أن الأمر يقتضي الحذر في ازدواجية الجنسية.
أديب نوه إلى أنه في الدساتير السابقة لا توجد إشارة إلى هذا الأمر، مشيرا إلى أنه قبل الإنقاذ لم تكن هناك جنسية مزدوجة. وحسب القانون إذا اكتسب شخص سوداني جنسية دولة أخرى لا تسقط جنسيته، وأضاف: إذا أراد شخص أن يحمل جنسية أخرى ويريد الجنسية السودانية فالشرط أن يتنازل عن جنسيته الأخرى.
السياسيون يعلقون.. وجهات نظر منطقية
القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير محمد ضياء الدين، يذهب في حديثه لـ(السوداني) أمس، إلى أنه في العالم يوجد مثل هذا التوجه لضمان الحفاظ على أمن وسيادة البلاد ضد توجهات من شأنها أن تهدد هذه المسلمات لاعتبارات من بينها أن الشخص الذي يحمل جنسية مزدوجة يمكن أن يكون له أكثر من ولاء، وأضاف: إذا تم اتهامه داخل دولته الرئيسية بأي تهمة وهرب إلى الدولة التي يحمل جنسيتها فإن تلك الدولة تشكل له حماية ولا تستطيع الدولة الرئيسية أن تقدمه لمحاكمة.
ضياء الدين أكد أن هذه النقطة أخذت مساحة واسعة في التفاوض، وتم اتخاذ قرار بعدم مشاركتهم في الوزارات السيادية، لكن سُمح لهم بالمشاركة في المفوضيات والبرلمان، وأضاف: الاستثناء لاستيعاب الكوادر التي تحمل جنسية مزدوجة لأنهم لعبوا دورا في الثورة السودانية.
قاطعا بأن الحكومة المدنية ستقوم بمراجعة الجنسيات السودانية التي مُنحت لأجانب، إذا كانت مخالفة للقانون.
مراجعة الجنسية.. الأجانب في مقصلة القانون
مطالبات كثيرة على طاولة الحكومة المدنية بضرورة أن تتم مراجعة شروط حاملي الجنسية السودانية خاصة للأجانب بحجة أنه النظام البائد عاث فيها فسادا ولا بد من إعادة هيبتها وغسلها من تهمة الإرهاب التي تسبب فيها الإسلاميون.
في نهاية عهد نظام المخلوع كثر الحديث السالب عن الجنسية السودانية، وقالوا إنها تمنح بطريقة مخالفة للقانون بل طالب كثيرون بنزعها من الأجانب بحجة أن كثيرين منهم متورطون في جرائم أدخلت السودان في متاهات كبيرة، ومن المعروف أن الجنسية السودانية يتم منحها بالميلاد من أب وأم سودانيين أو بالتجنس بإرادة الشخص. بيد أن البعض يرى أن الإرادة وحدها لا تكفي، مشيرين إلى أن الجنسية السودانية كانت تُباع بـ(1000) دولار للأجانب، لذلك على الحكومة المدنية أن تنزعها منهم مع ضرورة مراجعة شروط منحها.
الخبير القانوني المعز حضرة أكد في حديثه لـ(السوداني) أن بعض المنتمين للنظام البائد كانوا يبيعون الجنسية بدون الشروط المعروفة، مطالبا بنزع الجنسيات السودانية التي تم منحها للأجانب وفيها المخالفة للقانون وكذلك الجوازات الدبلوماسية التي منحوها للإسلاميين السياسيين لأسباب من بينها أنهم كانوا لا يستطيعون التنقل بجوازات دولهم الأم.
وكشف حضرة أن بعض مهربي المخدرات من دول أجنبية يحملون جوازات سودانية وهذا الأمر جعل الجواز السوداني مشكوكا فيه لدرجة أن الدول العربية منعت السودانيين من العمل لأن الأجانب الذين يحملون جنسيات وجوازات سودانية متورطون في جرائم.
حضرة انتقد حرمان المواطنين السودانيين من تقلد مناصب سيادية في ظل الحكومة المدنية، واصفا القرار بغير الموفق، وأضاف: القرار يدل على عدم خبرتهم وكان عليهم أن يتركوا الباب مفتوحا أمام السودانيين الذي اضطرتهم الظروف لنيل جنسية أخرى، وأضاف: اللجنة كانت نظرتها ضيقة لأن الوطنية لا تُقاس بأنك تحمل جنسية واحدة، معتبرا الأمر تفرقة غير حميدة وتدل على عدم اتساع أفق اللجنة، مشيرا إلى أن من قتلوا الثوار سودانيون ويحملون جنسية وطنهم، لافتا إلى أن القرار يتنافى مع مبدأ العولمة.
من جانبه أكد نقيب المحامين عثمان الشريف في حديثه لـ(السوداني) أمس، أن هذا الشرط سببه الخوف من شبهة الولاء وهو شرط أساسي نصت عليه كل الدساتير، مشيرا إلى أن المواطن الذي يمتلك جنسية دولة أخرى لا تسقط جنسيته السودانية، لافتا إلى أن كثيرا من السودانيين بالخارج لديهم جنسيات مزدوجة وهذا الشرط بمثابة سد منيع لتوليهم مناصب سيادية بالبلاد.
بغض النظر عن طبيعة النص ونواياه في تحجيم الكفاءات التي يسعى لقديمها رئيس الوزراء عبر ترشيحات قوى إعلان الحرية والتغيير، إلا أن الثابت هو أن الخرطوم مترعة بأصحاب الكفاءات بلا جنسية أخرى، وفي هذا السياق فإن لجنة الترشيحات التي تكتمت قوى الحرية والتغيير عليها طيلة الفترة الماضية عملت على تدعيم الخيارات بكل المحتملين بحسب تسريبات من قوى التغيير.

ليست هناك تعليقات