هنيئا بالاستقلال الثاني.. بقلم محجوب عروة


تهنئة حارة للشعب السوداني الذي صبر على تأخر الاتفاق بين قوى الحرية والمجلس العسكري أربعة أشهر، وكما يقول المثل (أن تأتي أخيرا خير من ألا تأتي أبدا).. وكما ذكرت سابقا فإن سبب التأخير هو المفاجأة بسقوط النظام السابق لدى الطرفين دون سابق اتفاق أو تخطيط أو تفاهم حول المرحلة التي ستسبق انتصار الثورة إضافة لثلاثين عاما من الفشل والاستبداد والإقصاء السياسي جعل الوضعية السياسية أكثر تعقيدا مما مضى مقارنة بثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل.. كما أن النظام السابق فتح البلاد على مصراعيها للتدخل الأجنبي السالب الأمر الذي جعل الاتفاق عسيرا بتدخلها في شأن بلادنا..
ورغم ذلك كانت للإرادة الوطنية وشيم التسامح والحكمة الخلق القويم الذي جبل عليه السودانيون سهم في الوصول للاتفاق حول الوثيقة السياسية ثم الإعلان الدستوري الذي نأمل أن يكون فاتحة خير لسودان جديد ومتجدد دوما ينعم شعبه بالحرية والسلام والعدالة في دولة مدنية دستورية ديمقراطية، فتتحقق التنمية والازدهار الاقتصادي حين تتحول موارده العظيمة نحو البناء وليس الاقتتال فتنطلق الطاقات وتسهم العقول النيِّرة في استغلال ثرواته العظيمة لبلد غني وليس فقيرا وفي جعله من أفضل دول العالم، ولم لا؟ أليس وضعه الجيواسترتيجي من أفضل ما وهبه لنا الخالق عز وجل لم نستفد منه حتى الآن؟
دعونا نعمل بجد واجتهاد لتجاوز أخطاء الماضي والحاضر وأن نجعل من فترة الانتقال فرصة لإعادة الثقة بين الجميع ولتكريس الحريات وإنهاء الحروب والصراعات وتحقيق السلام المستدام وإعادة بناء وطننا على أسس جديدة فلعل هذا الاتفاق يكون بمثابة الاستقلال الثاني. وإذا كانت بعض القوي السياسية ترفضه مثلما رفضت اتفاقية تقرير المصير قبيل الاستقلال بدعاوى لم تتحقق أو لأسباب وأجندة حزبية فلعلها اليوم تكون أكثر حكمة وتعقُّلا فهذه القوى – وأقصد بها الشيوعيين وبعض القوى الثورية الذين يرفضون ويقولون أنهم سيقاومون الاتفاق- أرجو منهم والوطن لا يستغني عنهم مثل غيرهم – أرجو أن يعيدوا النظر في رؤيتهم وموقفهم الرافض ويعملوا على إنجاح الاتفاق مهما كان فيه من قصور بشري فهو ليس قرآنا فلا يقاطعوا مؤسسات الفترة الانتقالية ويوافقوا على الانخراط في المجلس التشريعي الذي إذا احتوى على جميع القوى السياسية بالنسب المناسبة دون إقصاء يمكن أن يكون هذا المجلس فرصة لطرح الأفكار البناءة وفرصة عظيمة للمشاركة في إدارة وبناء الوطن على الأسس السليمة وفرصة لمراقبة الجهاز التنفيذي ليكون أكثر كفاءة في الأداء ومحاربة للفساد والفاسدين والمجرمين واستعادة الأموال المنهوبة لدعم اقتصادنا وفرصة لوضع التشريعات المناسبة أو تعديل الخاطئ منها وفرصة لإعادة هيكلة وبناء مؤسسات الدولة المدنية والنظامية بما يحقق العدالة والمساواة من أجل التنمية المتوازنة المستدامة وإزالة التهميش ومحاربة الفقر والبطالة والتضخم.
إن المقاطعة لا تفيد فليكن الجميع إيجابيين وليسوا خميرة عكننة فإن ذلك يساهم في الفوضي واليأس من الثورة وتمني العودة للماضي البغيض كما حدث في الماضي ساهم في استغلالها في الانقلابات، فلنجعل من التعاون المثمر بين القوى المدنية والقوى النظامية وليس التجاذب والتخوين هي الوسيلة المثلى لإنهاء الدورة السياسية الخبيثة التي ابتلى بها الوطن فكانت سبب تأخره وضعفه وجعله بلدا يتسول الأموال والوساطات بدلا من بلد معطاء كما مضى..

ليست هناك تعليقات