السوق الاسود .. حقائق وأسرار من العالم الخفي

 السوق الموازي

رغم تمدّد السوق الموازي للعملات وانتشاره بكثافة، إلا أن الحصول على معلومات عنه “ليس سهلاً” وأشبه ما يكون بمحاولة اقتحام “عش الدبابير”. وبعد عدة محاولات أفلحت “الصيحة” في استنطاق بعض تجار السوق الكبار ممن يتعاملون بأموال ضخمة محلية وأجنبية، وخرجنا منهم بحقائق وأسرار مذهلة وإن كان ما قيل هو “قمة جبل الجليد”، فالمؤكد أن ما لم يُقل هو الأخطر، وننوه هنا إلى أن كل المعلومات الواردة طي هذا المكتوب حقيقية ومستقاه مباشرة من تجار كبار بالسوق، وتحاشينا لقاء السريحة والعمال، فبطبيعة الحال يحتفظ كبارهم بالمعلومات والأسرار. وعلى وعدنا لهم سنمسك عن ذكر الأسماء والمواقع، وكل ما يشير إلى سوق بعينه.

الخرطوم: جمعة عبد الله

سوق قديم

بدأ نشاط السوق الموازي للعملات في السودان منذ عقود مضت، وليس جديداً، وفي بادئ الأمر كان تجار العملات يتواجدون في مواقع معلومة، وكان منظماً أكثر مما هو عليه الآن، ويعمل فيه قلة من التجار وكانوا معروفين، وفي أماكن محددة.

وتتفق أغلب الآراء أن انتشار ورواج السوق الموازي بصورته الحالية كان منذ مطلع الألفية الحالية، وإن كان عدد المتعاملين فيه أقل بكثير مما هو عليه الآن، وكان العمل أغلبه موسمياً خاصة فترات الأعياد ومواسم عودة المغتربين والتحويلات للخارج لطلاب العلم، ومواسم الحج والعمرة، وعطلات الصيف التي يقضيها البعض خارج البلاد.

وساهمت الحكومة طوال الفترة السابقة بأكثر من صورة في نشوء وتمدد السوق الموازي، حيث تعترف به رسمياً وتتعامل بعدة أسعار للعملات الأجنبية.

وشكّلت سياسات الحكومة السابقة اعترافاً صريحاً بالسوق الموازي، كما يتعامل نافذون مع السوق سواء كتجار في الخفاء أو كباعة ومشترين للعملات الأجنبية وكل ذلك تحت ستار، وأعلنت الحكومة الحرب على السوق الموازي أكثر من مرة بهدف القضاء عليه دون جدوى، واتخذت لذلك أساليب متعددة، منها الإجراءات الأمنية وإعلان وصول ودائع خارجية بمبالغ كبيرة لكبح تصاعد سعر الصرف.

مبالغ ضخمة

يصعب على وجه الدقة تحديد المبالغ اليومية التي يتعامل بها تجار السوق الموازي، لعدة أسباب منها أن كثيراً من الصفقات خاصة الكبيرة تتم في الخفاء ولا يعلمها حتى العاملين بالسوق باستثناء التاجر صاحب الصفقة، علاوة على أن السرية هي السمة الغالبة في كثير من المعاملات.

وقدّر مصدر بالسوق أن جملة المبالغ المتداولة يومياً يتراوح بين “40 – 50” ألف دولار تعادل 3 ملايين و 250 ألف جنيه بحساب 65 جنيهاً للدولار، فيما تتجاوز مبيعات الريال والدرهم يومياً 100 ألف ريال أو درهم تعادل مليوناً و700 الف جنيه، وتبلغ حصيلة جملة هذه العمليات مبلغ نحو 5 ملايين جنيه، يتم تدويرها يومياً أوراقاً نقدية “كاش” لا تشمل عمليات البيع والشراء عبر الشيكات، وبطبيعة الحال هذه حصيلة سوق واحد من الأسواق المنتشرة في كل أرجاء العاصمة والولايات، موضحاً أن التقديرات الكلية لما يتم التعامل به في السوق الموازي لا تقل عن 80 مليون جنيه سوداني أغلبها “كاش” والقليل بالشيكات.

ويضيف المصدر أن حصيلة المعاملات البنكية عبر الشيكات والتحويلات تقارب ثلث هذه العمليات، موضحاً أن بعض التجار تخصصوا في بيع العملات بالشيك فقط لجني أرباح مضاعفة، وقال إن سعر ألف دولار يقدر بـ 65 ألف جنيه بالكاش، لكنهم يبيعونه بالشيك بمبلغ 73 ألف جنيه أو أكثر ثم توريد الشيك في حسابهم بالبنك واستخراج المبلغ عبر الصرافات الآلية عبر سريحة يُوظفون لهذه المهمة، حيث يكون لديهم أكثر من بطاقة صراف، لأن لديهم عدة حسابات بمختلف البنوك.

نافذون في سوق العملات

ويؤكد المصدر، أن الفترة الماضية كانت تشهد ورود مبالغ كبيرة بانتظام من موظفين ونافذين يعمدون لبيعها في السوق الموازي، وتشمل هذه المبالغ نثريات سفر وعمولات يتحصلون عليها من بعض الشركات والأفراد نظير صفقات تتم داخل البلاد، علاوة على أن كثيراً منهم يملكون أو يعملون أو يمتلكون أسهماً في شركات تعمل خارج السودان خاصة دول الخليج، ويتم تحويلات أرباح الأسهم والرواتب للداخل لبيعها في السوق الموازي، موضحاً أن هؤلاء كانوا يشكلون نسبة مقدرة من العملات الواردة للسوق، لكن الأمر توقف بعد الثورة.

نظرة ثاقبة

ويملك تجار السوق الموازي نظرة ثاقبة حول ما يجري بالبلاد، ويتابعون التطورات السياسية والاقتصادية باهتمام، ولا تفوتهم شاردة ولا واردة من أحاديث المسؤولين، ويتفاكرون فيما بينهم لتحليلها ومعرفة ما وراءها، وعكس الاعتقاد السائد عن تجار السوق الموازي، فهم يملكون تفسيرًا لكل الأزمات الاقتصادية التي تحيط بالبلاد، ولديهم معرفة جيدة بسعر الصرف والأسباب التي تؤدي لرفعه وخفضه، وكيفية الحد منه إن أرادت الحكومة، وهم مدركون أن المعالجات السابقة ليست حلاً لانفلات سعر الصرف، وأن الحكومة كانت تتعامل مع معالجات جزئية وغير فعالة، مما جعلهم مطمئنين أن تجارتهم وعملهم مستمر ولا خوف على أموالهم.

من المقترحات التي خرجت بها من أحد كبار التجار، قال إنها تساعد الحكومة في إعادة الاستقرار الاقتصادي، وبدا واثقا من فكرته، وقال المصدر إن الحكومة عليها التركيز على معاش الناس وضمان توفير الأغذية والمأكولات والدواء، على أن توفر العملة الصعبة المتبقية لاستيراد مدخلات الإنتاج.

وزاد: يجب رفع الدعم الحكومي عن البنزين عن بنسبة 300% أولاً ثم خفض الدولار الجمركي بنسبة مطابقة لما يوفره رفع الدعم، حتى لا تتأثر الموازنة بخفض الجمارك، موضحاً أن دعم البنزين الذي تقدمه الحكومة لا يستفيد منه المواطن بقدر ما هو دعم مخصص لأصحاب المركبات الخاصة.

السريحة.. عمالة السوق

السريحة هم العمال الذين يستعين بهم التجار لبيع وشراء العملات وليس لديهم أجر محدد، بل عليهم استخراج نصيبهم سواء بالشراء بمبلغ أقل قليلاً من السوق أو بالبيع بأعلى قليلاً والفارق يكون من نصيبهم، على سبيل المثال يمنح التاجر مبلغ 16 ألف جنيه للعامل نظير جلب ألف ريال أو ألف درهم مثلاً، وهنا يجتهد العامل في شراء المبلغ بسعر أقل من الـ 16 جنيهاً ويجادل البائعين بإلحاح ويقسم أن سعر السوق أقل من 16 وأن هذه العملية تقع معه بالخسارة وليس فيها ربح، وقد يفلح في شراء الألف ريال بمبلغ 15 ألفاً وخمسمائة جنيه، على أن يستولى على الخمسمائة الباقية كنصيب له يتركها له التاجر.

نسبة كبيرة

يشكل السريحة نحو 80% الموجودين بالسوق الموازي، وهم أفراد يستعين بهم التجار لبيع وشراء العملات، حيث يتم تمليك الفرد منهم مبلغاً من المال “50” ألف جنيه مثلاً وبعض العملات الأجنبية وتكليفه ببيع ما لديهم من عملات أجنبية بسعر اليوم، وهو السعر الذي يحدده التاجر صاحب المال، كما يكلف بشراء ما يرد إليه من عملات أجنبية من المواطنين، وأيضًا بسعر محدد، وينتشرون في مواقع متفرقة وفي غالب مواقعهم يتخذون الطرقات القريبة من البنوك لاصطياد الزبائن، وليس لديهم وقت دوام محدد حيث تجدهم منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل، هذا بالنسبة للسريحة، أما كبار التجار فلا يظهرون في السوق مطلقاً، وهم منشغلون بمتابعة أعمال تجارية أخرى ويتابعون السوق عبر مقربين منهم وعبر الهاتف.

الآثار الأمنية والاقتصادية

وتسبب رواج وتمدد السوق الموازي في آثار أمنية واقتصادية متعددة، فالأثر الاقتصادي لا يخفى على أحد بظهور جماعات تُسيطر على العملات الأجنبية وتضارب فيها مما يؤدي لانفلات سعر الصرف، وهو ما كان يحدث بالفعل طوال السنوات الماضية.

ومن أبرز الآثار الأمنية التي شهدها السوق الموازي هي ظهور وتمدد النشاطات المشبوهة والمريبة، وتتيح طبيعة السوق الموازي وعدم خضوعه لسلطان الدولة إمكانية توظيف جزء من العائدات في غسل الأموال وحتى تمويل الإرهاب.

أما الآثار الاقتصادية فلا تخفى على أحد حيث أسهم السوق الموازي في انفلات سعر الصرف لمستويات غير مسبوقة وتمددت قوته لحد تلجأ إليه الحكومة لتوفير العملات الأجنبية عبر الاقتراض من كبار التجار.

ضحايا السوق

وبحسب محدثي، فقد تعرض بعض التجار لخسائر طائلة أيام الحملات الأمنية التي كانت تنفذها السلطات بعد القبض على بعضهم وإيداعهم السجن، مشيراً إلى أن أحد كبار التجار يقبع حالياً خلف القضبان في انتظار موعد محاكمته التي بدأت منها جلسة واحدة ويتم ترحيله من الحبس للمحكمة لأخذ أقواله وإرجاعه لحين الحضور في الجلسة المقبلة، وقال المصدر، إن التاجر المقبوض عليه يعتبر أحد أركان السوق الموازي، ويمتلك أموالا طائلة يوظف أكثرها في تجارة العملات وهو شراء وبيع أي كمية من النقد الأجنبي.

قلق دائم من كشافة الأمن

وعن مدى تأثر السوق بالكشافة التي ترسلهم السلطات الأمنية لمراقبة ومداهمة السوق، يقول إن هذه العملية تشكل مصدر “قلق دائم” للتجار والسريحة، موضحاً أن الحملات الأمنية كانت تثير مخاوف التجار من القبض عليهم أو مصادرة أموالهم، مشيراً إلى أن البعض يجد تسوية يفلت بموجبها من العقاب بعد تسديد رشاوى للمكلفين بتنفيذ هذه الحملات عبر إطلاق سراحه قبل وصوله للنيابة أو تدوين مبلغ ضئيل ضمن الأموال التي كانت بحوزته عند المداهمة.

ويشير المصدر إلى صعوبة القبض على كبار تجار العملات، لأنهم لا يظهرون في السوق أصلاً ويمارسون نشاطهم في الخفاء وأقصى ما يتعرضون له هو القبض على أحد السريحة الذين يعملون معه.

وسخر المصدر من المعالجات الأمنية السابقة، وقلّل من جدواها، قائلاً إن الحكومة لن تستطيع القضاء على السوق الموازي باي إجراء امني مهما فعلت، وزاد: “ضخ العملات هو ما يقضي على السوق الموازي” وفسر قوله طالما استمر فشل المواطنين في الحصول على حاجتهم من العملات الأجنبية سواء للسفر أو العلاج أو الاستيراد أو غيره من الأغراض فلن ينتهي السوق الموازي، ويؤكد المصدر أن هذه الطريقة سهلة ولا تكلف الحكومة كثيراً حيث عليها “ضمان وفرة العملات” لكل صاحب حاجة سواء كان مواطناً أو تاجراً مستورداً.

من هم العشرة المسيطرون على السوق؟

وكان القيادي بالمؤتمر الشعبي إدريس سليمان يوسف إبان توليه منصب وزير التعاون الدولي، قد قال إن هنالك عشرة أشخاص يسيطرون على الدولار بالسودان، وقال إنهم يقرضون الحكومة نفسها، ولولاهم لانهار اقتصاد البلاد.

ورغم أنه لم يزد ولم يدلِ بتفاصيل حول من هم هؤلاء العشرة وكم يملكون من الدولار، إلا أن حديثه فيه الكثير من المنطقية، لكن ما لم يقله سليمان هو لماذا لم تتحرك الحكومة تجاه هؤلاء العشرة وكيف سمحت لهم بالتحكم في النقد الأجنبي لحد أن تلجأ إليهم الحكومة نفسها وتقترض منهم حينما لا تجد العملات الأجنبية.

ليست هناك تعليقات